المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدفيئة واثرها في كوكب الارض



بائع الورد
12-18-2007, 04:39 PM
الدفيئة وأثرها في كوكب الأرض

موسى ديب الخوري



يدعي إنسان القرن العشرين الواقعية في سلوكه وأفكاره، ويعلن أنه أصبح محصناً ضد أي مظهر من مظاهر الاستلاب الفكري أو العاطفي، ويفاخر بعلمانيته وبقدرته على وزن المسائل التي تواجهه وحلها من خلال المنهج العلمي، لا بل أنه لايتردد بنسب كل إنجازات مدنيتنا الحديثة بإيجابياتها وسلبياتها إلى مسيرة العلم الحديث، الإله الجديد، زاعماً أن العلم هو سبيل الإنسان الأوحد إلى مستقبل مشرق، وناسفاً كل الإنجازات الحضارية القديمة التي لم تركب مركب العلم الحديث. وإننا لنغبط هذا الإنسان على إيمانه بالعلم، لأنه يبني عليه إيماناً بمستقبل زاهر للبشرية. وإننا لنؤمن معه بأن العلم قادر على الوصول بالإنسان إلى آفاق غنية جداً بالمعرفة… ولكن، أين نحن اليوم فعلاً من هذا الحلم المشرق بغد واعد؟ وأين يقف هذا الإنسان بالضبط من إمكانية الإفادة من علومه؟ ترى، إلى أي حد يتوازى تدفق الكم المعلوماتي على الإنسان مع قدرته على استيعابه وفهمه وضبطه؟ وإلى أي حدّ يتوافق التقدم العلمي المتسارع مع طبيعة الإنسان الذاتية في تمثلها للمعلومات، هذه الطبيعة التي تحكمها قوانين أخلاقية ونفسية قد لاتنسجم أبداً مع طروحات ونتائج هذا التقدم؟ فإذا كان الإنسان غير قادر بعد على موازنة إنجازاته العلمية مع حاجاته الحقيقية، أفلا يجدر به أن يعمل وبسرعة على محاولة إقامة هذا التوازن مهما كلفه الأمر؟ وإذا كانت النتائج العلمية نفسها التي يؤمن بها تناشده صراحة اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية بيئته ونفسه، أفلا يجدر به أن ينساق إليها ويعمل بمقتضاها؟ بلى، ذلكم هو الواقع الحقيقي الذي يأبى إنسان القرن العشرين "الواقعي" الاعتراف به…

إن مسألة الدفيئة هي إحدى المشكلات التي يواجهها كوكبنا، والتي تثبت النتائج العلمية المستمرة خطرها الوشيك على الحياة، وعلى الحلم الإنساني بمستقبل واعد! ولعل مسألة الدفيئة، من بين كافة المسائل الأخرى المطروحة التي تخص البيئة، هي الأغنى من حيث تعدد وتشابك جوانبها وبروز مفهوم كلية العلاقات القائمة على الأرض بين مختلف عناصرها الطبيعية. ولهذا، فإن طرحنا اليوم لأثر الدفيئة على كوكب الأرض لايهدف فقط إلى تنبيه إنسان القرن العشرين على ما يحدق به وبالطبيعة من أخطار بسبب عدم مقدرته على إقامة التوازن بالدرجة الأولى، بل وإلى إبراز بعض جوانب هذه الكلية التي تحكم عالمنا، لأننا إذا لم نعترف بها، وظللنا على جهلنا لها، لن نستطيع يوماً تحقيق هذا التوازن المنشود، وبالتالي هذا الحلم الموعود!

لمحة تاريخية

يعتقد الكثيرون أن أثر الدفيئة لم يكتشف إلاّ منذ سنوات قليلة، وبخاصة بعد الدعاية الإعلامية التي أبرزته كمعامل حاسم في الواقع البيئي. لكن هذا الأثر معروف منذ بداية القرن التاسع عشر تقريباً، عندما وضع سادي كارنو S.Carnot عام 1824 أسس الترموديناميك الذي طبق فيما بعد على الفيزيولوجيا والبيئة والاقتصاد وشمل الكوزمولوجيا كلها. وفي العام نفسه نشر فورييه J.Fourier صاحب النظرية التحليلية للحرارة، والذي أدخل في الفيزياء لاعكوسية سيلان الحرارة، مقالة بعنوان "ملاحظات عامة حول حرارة الأرض والفضاء الأرضي". وهو يؤكد في بحثه هذا على مسألة حرارة الأرض في منظورها الكوني. وقد نسب فورييه أصل المماثلة بين تزجيج المستنبت والغلاف الجوي للأرض إلى الذكاء التجريبي للرحالة الشهير دو سوسور M.de Saussure. وكان هذا الأخير قد شكل جهازاً من 5 علب زجاجية قائمة في بعضها بعضاً لدراسة أثر الأشعة الشمسية على الهواء المحتوى في عدة طبقات من تشكيل شفاف. لكن هذه البداية لم تكن كافية بالطبع لفهم آلية تسخين الهواء، ولم يكن قد اكتشف بعد أن غاز الفحم فعال إشعاعياً.

وفي عام 1861 نشر تيندال Tyndall دراسة هامة حول تطور نظرية الدفيئة. وفي تلك الفترة كانت النقاشات قد بدأت تثير العلماء حول أسباب التغيرات المناخية. لكن إعادة تشكيل تغيرات المناخ القديم لم تبدأ فعلياً إلا نحو عام 1924 على يد كوبن W.Köppen وويغنر A.Wegener. ولم يصل هذا العلم إلى مستوى تقني حقيقي إلا بدءاً من السنة الجيوفيزيائية الدولية عام 1957 – 58. ففي هذا العام بدأ القياس الفعلي للجيوكيميائي عالم المحيطات رفيل R.Revelle لكمية غاز CO2 في الجو. وكان أرينيوس A.Arrhénius (جائزة نوبل كيمياء. 1903) قد حدد بشكل نهائي مفهوم الدفيئة بشكلها العلمي الدقيق وعلاقتها بالدورات الجيوكيميائية الكبرى. لكنه لم يعط للدفيئة أي أثر كارثي، وكان هو أول من ربط أثر الدفيئة باستخدام الوقود الأحفوري، أي تغيرات تركيب الجو الكيميائي بالجانب الترموديناميكي لمدنيتنا. كما أشار فرنادسكي V.Vernadsky عام 1924 إلى تأثير قطع الغابات على "التوازن الديناميكي للغاز الكربوني في الجو"، لكن أحداً لم يستمع إليه. ولم تؤرق الدفيئة العلماء إلا بدءاً من عام 1970 عندما قدم في نادي روما بحث حول "حدود النمو".

كان فرنادسكي، مؤسس علم البيوجيوكيمياء، أول من أشار إلى وحدة الكرة الأرضية وكلية العلاقات القائمة عليها. لكن طرح مفهوم البيوسفير كان صعباً في ذلك الوقت ولم يتقبله أحد. فدراسة الأرض ككائن حي تتطلب فهم أية ظاهرة أو تأثير مهما كان بسيطاً بحيث يكون مرتبطاً بكلية الظاهرات الأخرى. إن الجانب الفيزيولوجي والكيميائي للأيض، الذي فرض نفسه مع الثورة الترموديناميكية في منتصف القرن التاسع عشر، يربط المتعضيات الحية مع الجيوكيمياء والبيئة بشكل كامل. وهو ما يدعوه كلود برنار C.Bernard بـ"الوسط الكوني". فالنشاط الأيضي للكائنات الحية، دون أن ننسى الكائنات الدقيقة التي تشكل 95% من الكتلة الحيوية للأرض، يغير منذ عدة مليارات سنة الوسط البيئي الأرضي.

إن الإشكالية العالمية التي يواجهها الإنسان اليوم، "التغير الشامل"، ترجع إلى العقيدة – الفرضية التي طرحها عام 1920 كل من فرنادسكي ولوروي Le Roy وتيار دو شاردان P.T.de Chardin في مصطلحي البيوسفير biosphère والنوسفير Noosphère، والتي فسرت بطرق مختلفة. وقد تطورت اليوم هذه الفكرة من خلال نظرية غايا Gaia، وهو اسم يوناني للإلهة الأرض. والأرض وفق غايا لم تعد تشبه آلة بل كائناً حياً. فأرضنا تشبه كلاً ونظاماً مماثلاً لعضوية ذاتية التنظيم، وهو ما يدعوه جيمس لوفلوك J.Lovelock بالجيوفيزيولوجيا géophysiologie. وهكذا فقد أصبح الأثر الإنساني في الدفيئة لاينفصل عن الإشكال الإبستمولوجي الذي تطرحه فرضية غايا.

الدفيئة والمناخ

يشكل الغلاف الجوي نوعاً من الدفيئة الطبيعية. فهو يمرر أشعة الشمس، لكنه يحفظ جزءاً هاماً من الحرارة المتراكمة عند سطح الأرض. وبفضل الآثار المناخية لهذه الدفيئة الطبيعية أمكن للحياة أن تظهر. وإخلال الإنسان اليوم بتوازن هذه الدفيئة بإطلاقه لغازات الفحم والميتان وغيرها إلى الجو بنسب خطيرة يطرح تساؤلات كثيرة. هل نخل بتوازن المناخ؟ هل نخضع الأرض لتدفئة متزايدة؟ إذا كانت بعض الوقائع تبدو أكيدة، فإن تفسيرها لايزال دقيقاً وصعباً. فالمسألة لاترتبط في نهاية الأمر بعوامل محددة، بل هي تتعلق بالأحرى بعوامل متداخلة قد تكون لانهائية.

إن قطع الأشجار يغير بشكل جذري التيار المناخي الاستوائي ومعه التوازن المائي ونظام الأمطار. ومن جهة أخرى، فإن ازدياد إصدار الغازات القادرة على امتصاص الأشعة تحت الحمراء سيؤدي إلى تسخين الأرض من خلال زيادة فاعلية الدفيئة. لكن كم سيكون حجم هذا التسخين، وكيف سيكون توزعه الجغرافي، وما سيكون أثر ذلك على التوازنات المائية المحلية. تلكم أسئلة لاتزال بحاجة إلى إجابة.

إننا نعرف اليوم أننا نعيش في ظروف مناخية متغيرة بشكل ملحوظ عبر العصور. وهناك بالدرجة الأولى الثوابت الزمنية التي تغير متوسط فترات التشمس بتغييرها لمسار الأرض، فتوقع بالتالي النوسان بين العصور الجليدية والدافئة خلال فترات تمتد بين 20000 و 100000 سنة. وأفضل حالة تشمس حصلت منذ نحو 9000 سنة توافق وضعاً مدارياً للأرض مختلفاً جداً عن الوضع الحالي. فمحور القطبين كان أكثر انحرافاً بنحو درجة، وكانت الأرض بالتالي أقرب إلى الشمس خلال الصيف الشمالي. والعصر الجليدي المصغر الأقرب إلينا الذي حصل خلال القرن السابع عشر كان مرتبطاً ربما بضعف واضح في النشاط الشمسي أو بتغيرات في تيارات المحيطات العميقة تحدث على مدى قرون! وهكذا نجد أن ملاحظة التغيرات المناخية ليس بالأمر السهل. فمتوسط درجة الحرارة مثلاً على سطح الأرض يتغير بمقدار 5 إلى 6 درجات مئوية خلال فترات تصل إلى 100000سنة تقريباً، وبمقدار درجة واحدة خلال آلاف السنين، وبين 0.1 و 0.2 درجة خلال عدد من السنين. لكن السؤال الهام يتعلق بدرجة تأثير النشاط الإنساني على المناخ على مستوى كوكب الأرض. صحيح أن النظام المناخي يمتص طاقة شمسية تقدر بنحو 1016 واط وأن الطاقة الإنسانية لاتقاس أمامها، لكن تأثير الإنسان قائم مع ذلك بشكل غير مباشر، إما بتغيير خصائص سطح الأرض أو تركيب الغلاف الجوي.

لقد ترافق العصر الدافئ الأخير الذي حل على كوكبنا بانفجار ديمغرافي هائل للنوع الإنساني، الأمر الذي أدى إلى إزالة متزايدة للغطاء النباتي ومن ثم تطوير الصناعة وبخاصة خلال القرنين المنصرمين. فمنذ أقل من قرنين كان عدد سكان العالم أقل من مليار نسمة، وخلال نصف قرن سيتجاوز عدد سكان العالم الذي يصل اليوم إلى 5 مليار العشرة مليارات نسمة. وسيترافق ذلك بالتأكيد بتغير هائل في النظام الكوكبي، وبخاصة التغير في الغطاء النباتي وفي التركيب الكيميائي للغلاف الجوي. ومثل هذا التغير سيوازي كما يرى معظم العلماء التغير أثناء فترات التشمس، إنما سيتم خلال فترات أقصر بكثير مما شهده تاريخ الأرض سابقاً. فالفترة التي كان يستغرقها الانتقال من عصر جليدي إلى عصر دافئ خلال آلاف السنين كانت ضرورية لإذابة الجليد ببطء ولموازنة الأنظمة البيئية. أما الانتقال السريع خلال بضعة قرون فيهدد عدداً كبيراً من الأنظمة البيئية بالزوال.

لقد استهلك الإنسان منذ نحو ثلاثة آلاف سنة الأخشاب في بناء بيوته وسفنه وفي طهو طعامه. وقد جرد البحر المتوسط بشكل خاص من جزء كبير من ثروته النباتية. وخلال قرون قليلة استهلكت أوروبا معظم غاباتها. وها نحن اليوم نقضي خلال عقود قليلة على ما تبقى من غابات استوائية في إندونيسيا وأفريقيا والأمازون.

إن غابة الأمازون تمتص وحدها بسبب كثافتها نسبة عالية جداً من الطاقة الشمسية ولاتعيد إلى الجو سوى 12% من هذه الطاقة. وتستفيد المنطقة كثيفة الشجر بفضل البخر من انتظام حراري فعال يعدل درجات الحرارة مما يؤدي إلى إطلاقها كمية أقل من الأشعة تحت الحمراء. ويوفر البخر لها إضافة إلى ذلك غطاء كثيفاً من الغيوم يخفف من ضياع الطاقة الحرارية نحو الجو. وباختصار تستهلك الغابات الكثيفة كمية كبيرة من الطاقة الشمسية وتفقد حرارة بسيطة نسبياً بالإشعاع. وذلك على عكس المناطق الصحراوية تماماً. وهذا يعني أن إزالة الغابات من الكوكب سيؤدي إلى انخفاض عام في درجات الحرارة مرتبط بزيادة البياض (albedo، نسبة النور المنعكس من سطح الكوكب إلى الطاقة التي يتلقاها من الشمس).

أما الغلاف الجوي فهو أكثر ارتباطاً بالدفيئة. فمضاعفة غاز CO2 في الجو سيؤدي حتماً إلى تسخين الأرض. وهذا الأثر الذي يسببه تغيير تركيب الغلاف الجوي هو ما ندعوه بالدفيئة. وترتكز ظاهرة الدفيئة على خاصية امتصاص الأشعة ما تحت الحمراء. وتشترك في ذلك نقطة الماء مع بلورات الجليد والغازات متعددة الذرات مثل بخار الماء وثاني أكسيد الفحم والميتان CH4 والأوزون O3 وأكسيد النترات NO3. وامتصاص هذه الأشعة يؤدي إلى حبس الحرارة في الطبقات الجوية القريبة من سطح الأرض.

وإذا أردنا فهم الدفيئة علينا أن نفهم بأن النظام المناخي متوازن حرارياً. فالأرض لاتبرد ولاتسخن. فهي تستقبل وسطياً طاقة ضوئية من الشمس بحدود 340واط/م2 وتعكس نحو 100واط/م2، وتمتص الباقي وتصدر إلى الجو على شكل أشعة تحت حمراء طاقة تساوي الطاقة التي امتصتها، أي 240واط/م2. وتمتص الغيوم 150واط من هذه الطاقة مع الرذاذ وبخار الماء والغازات، بينما يجتاز الباقي (أي 240واط/م2) الغلاف الجوي إلى الفضاء. وتنجم الدفيئة عن هذا الامتصاص لـ 150واط/م2. ويمكننا تعريف الدفيئة بشكل آخر. فهي الاختلاف بين الحرارة المتوسطة لسطح الأرض (15ْ) وحرارة جسم أسود متوازن يصدر دفقاً من الطاقة مقداره 240واط/م2. وهذه الدفيئة طبيعية وتؤدي إلى تدفئة الطبقات الدنيا وسطياً بحدود 33ْ مئوية.

لقد بات من الثابت اليوم الارتفاع المتزايد لنسبة الغازات الممتصة للإشعاع في الغلاف الجوي. فالإنسان يصدر إلى الغلاف الجوي نحو 7مليارات طن من الكربون على شكل CO2. وهذا يوافق ما نسبته 4كلغ لكل إنسان في اليوم (15كلغ للأمريكي، 4كلغ للفرنسي، 1كلغ للبلدان النامية). والمصدر الرئيسي لها هو الصناعة والتدفئة والنقل (5.5مليار طن). أما الباقي فيتأتى عن حرق الغابات الاستوائية بدرجة أساسية. وقد تبدو كمية 7مليار طن بسيطة قياساً إلى التبادلات الطبيعية التي تميز الدورة العامة للكربون (90مليار طن يتم تبادلها بين الجو والمحيطات و110مليار طن بين الجو والنباتات). لكن هذا الإصدار البشري يؤدي إلى خرق منتظم لتوازن هذه الدورة وميل إلى تراكم الـ CO2 في الجو. إن نصف الـ 7مليار طن يتم تراكمها في الجو. ويقدر أن المحيطات تمتص 2مليار طن في السنة.

أما الميتان الذي يحمل كتلة مساوية من الكربون فقدرته على الامتصاص أكبر بعشرين مرة من CO2. وتزداد نسبته في الجو اليوم بمقدار 0.7% سنوياً. أما N2O فهو ماص بمقدار أكبر بـ200 مرة من CO2 وتزداد نسبته بمقدار 0.25% سنوياً. أما مركبات كلورفلور الكربون فهي ماصة أكثر بآلاف المرات من CO2، وتزداد نسبتها في الجو بمقدار 4% سنوياً. كذلك يجب ألا ننسى دور بخار الماء.. لكننا سنتحدث بالتفصيل عن هذه الغازات لاحقاً. وما يهمنا الآن هو كيف سيؤثر تضاعف نسبة هذه الغازات في الجو خلال القرن القادم، الأمر الذي بات مؤكداً، على الطقس، وما هي درجته أو توزعه الجغرافي أو تأثيره على نظم المياه المحلية.

إن ارتفاع درجات الحرارة سينعكس مثلاً على الجليد بشكل واضح. فالجليد والثلج يعكسان الطاقة الشمسية بدرجة عالية مما يساهم في تبريد النظام. وذوبان الجليد يخفف درجة البياض ويؤدي بالتالي إلى امتصاص أكبر لطاقة الشمس مما يؤدي إلى ارتفاع إضافي في درجات الحرارة. أما الغيوم فتلعب دوراً مزدوجاً وهاماً في الحاصل النهائي للإشعاع الأرضي. فهي من جهة تبرد المناخ بعكسها للطاقة الشمسية (للغيوم المنخفضة المحملة بالماء بياض عال)، ومن جهة أخرى تساهم بشكل واضح في الدفيئة (لأن الغيوم العالية تمتص بشكل فعال الأشعة ما تحت الحمراء). وهكذا نرى تعقيد مسألة انعكاس ارتفاع درجة الحرارة على الغيوم، وخاصة فيما يتعلق بجوانبها الفيزيائية المجهرية (تشكيل وبنى حبيبات الماء وبلورات الجليد) والهندسية (الشكل القصيمي لكتل الغيوم)، الأمر الذي يبقي المسألة مفتوحة.

إضافة إلى ذلك، يجب ألا ننسى أن التغيير المناخي يرتكز أيضاً على المحيطات العميقة والتي تتراوح فترات استجابتها للمؤثرات بين قرن أو أكثر. وهكذا نجد أن التغير المناخي الناجم عن تدخل الإنسان لايزال خاضعاً لمجاهيل كثيرة. فنحن لانعلم مثلاً ما سرعة امتصاص المحيط للحرارة. وأحد الجوانب الأخرى لديناميكية المحيطات هو تأثيرها الكبير على الجوانب المحلية للتغيرات المناخية. وهكذا، إذا كان الثابت حصول ارتفاع وسطي مقداره نصف درجة مئوية خلال القرن الأخير، فإن الصعوبة تكمن في تمييز نسبة التأثير الطبيعي في هذا الارتفاع عن نسبة التدخل البشري.

غازات الدفيئة

ذكرنا أن غازات الدفيئة الأساسية هي بخار الماء وغاز الفحم الأحادي والثنائي والميتان وأكاسيد الآزوت والأوزون ومركبات كلورفلور الكربون. وتسمح هذه الغازات بإمرار الإشعاع الشمسي، لكنها تمتص الأشعة تحت الحمراء الصادرة عن سطح الأرض. إن نسبة ازدياد غاز الكربون والميتان وأكاسيد الآزوت باتت تعادل تقريباً نسبة التضخم السكاني العالمي (0.5%)، الأمر الذي يبرز لنا مدى تأثير النشاط الإنساني على دورات هذه الغازات الطبيعية.

إن الماء الموجود في الجو بشكلين غازي وغيمي هام جداً للحياة مما يحتم علينا معرفة دورته البيوجيوكيميائية. فبخار الماء يساهم في الدفيئة الطبيعية بنسبة أكثر من النصف. ومع ذلك فإن بخار الماء الموجود في الجو (1.5×1012طن) لايمثل سوى جزء من مئة ألف جزء من مياه المحيطات. وهو لايكفي لتأمين الهطولات إلا لفترة بسيطة تصل إلى أسبوعين. وفي الحقيقة فإن نسبته تتحدد بقيمة ضغط البخار المشبع الذي يتغير بسرعة مع تغير درجة الحرارة. وتؤدي هذه العلاقة بين الحرارة ودرجة الإشباع إلى تضاعف أثر الدفيئة. فزيادة الحرارة الناجمة عن غازات الدفيئة الأخرى تؤدي إلى البخر الزائد مما يرفع درجات الحرارة وهكذا دواليك.

كذلك فإن دور CO2 في الجو هام جداً في أثر الدفيئة. فهو يساهم في ثلث أثر الدفيئة الطبيعية. وازدياد نسبته في الجو بعد العصر الصناعي سيؤدي إلى زيادة حرارة الأرض حتماً. وقد بدأ قياس نسبته في منذ عام 1958، أما ما قبل ذلك فيمكن الاعتماد على دراسة طبقات جليد القطبين. ويصل مستوى حجم CO2 حالياً إلى 354 ppmv (ppmv جزء من مليون من الحجم الكلي، وهو يكافئ جزءاً من مليون من الضغط الجوي). وهي نسبة تزيد 25% عن قيمته قبل العصر الصناعي. ولم يصل مستوى CO2 أبداً في الجو إلى هذا المستوى خلال 160000 سنة الماضية.

لكن كيف تتم دورة الفحم البيوجيوكيميائية ولو بشكل تقريبي؟ إن أهم خزاناته هي الجو والبيوسفير الأرضي والمحيطات. والكمية الكلية للفحم المخزن في الجو (على شكل CO2) هي نحو 700جيغاطن (1Gt = 109t)، و1800 جيغاطن في الكائنات الحية والتربة و 39000 Gt في المحيطات. ويبلغ مقدار التبادل بين الجو والخزانين الآخرين دفقاً إلى 100 جيغاطن من الفحم في السنة في كل اتجاه. ويُفترض توازن هذا الدفق على مدى عدة سنوات طالما لم يطرأ تدخل إنساني. لكن الصناعة الإنسانية وحرق الفحم والبترول والفيول الأحفوري يؤدي إلى دفق إضافي مقداره 6 جيغاطن من الفحم في السنة (بشكل CO2 بشكل خاص). ويضاف إليه 1 أو 2 Gt ناجم عن إزالة الغابات. ويبقى ثلث هذه الكمية سنوياً في الهواء أي نحو 2.5 Gt.، وتمتص الباقي الخزانات الطبيعية الأخرى. ونحن لانعرف تماماً كيفية توزعها. هذا إضافة إلى أن ازدياد CO2 في الجو ليس منتظماً ويبدو أنه حساس تجاه عدد من المتغيرات الجوية والمناخية وفق آليات لانعرف تنميطها (إن ظاهرة سخونة سطح المحيط الهادئ التي تتم كل أربع أو خمس سنوات EL NINO تترادف بإطلاق نحو مليار طن من الفحم إلى الجو). وفي كافة الأحوال، وأياً كان امتصاص المحيطات والبيوسفير الـ CO2 فإن ازدياده في الجو يتوقف في المستقبل حصراً على الإنسان.

من الغازات الأخرى المؤثرة في الدفيئة غاز الميتان CH4. وهو ينتج أساساً من التحلل البكتيري للمواد العضوية (في أمكنة خالية من الأكسجين). لكن هذا الناتج يخضع لمتغيرات كثيرة. وأياً كان الحال فإن نصف الميتان الناتج اليوم ومصادره مسندة للنشاط الإنساني، وبخاصة الزراعي. وأظهرت الدراسات أن قسماً كبيراً من الميتان يعاد امتصاصه في الأرض أو يؤكسد في الجو. وقدرت كمية الميتان المحللة في عام 1989 بـ 5×1011كغ في السنة، أي أن الكمية الكلية للميتان في الجو تحتاج إلى فترة تصل إلى 10.6سنة مما يعطيه فرصة كبيرة للانتشار. وقد تضاعف الميتان 2.5مرة خلال قرن من الزمن، و5مرات منذ العصر الجليدي الأخير (قبل 15000سنة). ومع نسبة تزايده التي تصل الآن إلى 1% سنوياً فإنه سيتضاعف مرة أخرى في أقل من قرن ليصبح أحد أهم عوامل الدفيئة ذات السبب الإنساني.

أما غاز N2O فإننا لانعلم بالضبط مصادره، ويقدر أن بين 1.4 و2.6Mt تصل من المحيطات وبين 2.9 و5.2Mt تصل من الغابات وبقايا إحراق النباتات واستخدام الشحوم الآزوتية. ويتم تدمير هذا الجزيء في الستراتوسفير بالتحلل الضوئي إلى N2 و O يتفاعل من جديد مع جزيء N2O ليعطي NO. وتقدر فترة بقاء N2O في الجو بـ 150سنة. وقد ازدادت كثافته الجوية من 285 نحو عام 1700 إلى 310 ppbv عام 1990 (ppbv جزء من بليون من الحجم).

إن الغازات التي ذكرناها مستقرة كيميائياً (مثل H2O و CO2) أو ذات تفاعل ضعيف أو بطيء (مثل CH4 و N2O). لكن هناك غازات أخرى مؤثرة في الدفيئة، طبيعية أو ذات مصدر إنساني، تؤدي لدى إطلاقها في الجو إلى سلسلة معقدة جداً من التفاعلات وسريعة بحيث لاتسمح بتراكمها في الجو. وهكذا فإن تركيزها يبقى ضعيفاً وأثرها الإشعاعي المباشر مهملاً. غير أن نواتج التفاعلات الكيميائية الحاصلة يمكن أن تكون ذات أهمية كبرى في الدفيئة، ويدخل ضمن هذا النطاق غاز SO2 كما وأكاسيد الآزوت والمركبات الملحية.

وتعد مركبات كلور فلور الكربون هي الوحيدة الناجمة عن النشاط الإنساني حصراً، وتنجم عن المكيفات أو الثلاجات أو الرذاذات وغيرها. وهي ذات تركيب كيميائي مستقر. ومع ذلك، عندما تصل إلى الستراتوسفير فوق طبقة الأوزون (الأمر الذي يحتاج إلى عدة سنوات) تدمرها الأشعة فوق البنفسجية محررة الملح (كلور أو فلور) ويساهم هذا المركب بفعالية بتدمير طبقة الأوزون في الستراتوسفير. وبالتالي فإن لمركبات كلور فلور الكربون تأثيراً مضاعفاً على الدفيئة: فهي قادرة من جهة على امتصاص الأشعة تحت الحمراء، ومن جهة أخرى تؤثر على كيمياء الأوزون في الجو.

كذا فإن الملاحظة الأولى التي نستخلصها هي عدم قدرتنا على التوصل إلى معلومات حاسمة ودقيقة حول أثر هذه الغازات في الجو وكمياتها المتزايدة. والملاحظة الثانية هي أن معظم هذه الغازات ذات عمر طويل نسبياً في الجو قبل تحللها، مما يساعد على زيادة نسبة تركيزها ويؤدي إلى إمكانية تأثير مباشر على المناخ خلال قرن أو عقد أو بضعة سنوات.

المناخ القديم وأثر الدفيئة

إن أهم ما يميز تاريخ كوكبنا خلال الثلاثة ملايين سنة الأخيرة سلسلة العصور الجليدية التي مر بها. وإن كنا نعرف نسبياً سبب هذا التناوب بين العصور الدافئة والباردة، لكن معرفتنا بالنظام المناخي لاتزال قاصرة عن تفسير كافة المعطيات الجيولوجية التي نملكها. ولعل أفضل معلوماتنا تتعلق بفترات التشمس. فكمية الحرارة التي تصل إلى ذروة الغلاف الجوي ضمن خط عرض معين وفي شهر معين تتغير خلال الزمن على الرغم من ثبات الطاقة الشمسية الصادرة نحو الأرض. وسبب ذلك تأثير الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية على حركة الأرض. ومن أهم حركات الأرض التي تسبب هذا التغير ميلان محور دورانها على مستوى مسارها بترنح مقداره َ1.30ْ± حول قيمته الوسطية َ23.30ْ، وذلك في دور من 41000سنة. كما أن موقع الأرض على مسارها الإهليلجي يتغير ضمن فترة دورية تتراوح بين 19000 و23000سنة. كذلك فإن استطالة الإهليلج الذي ترسمه الأرض تتغير ضمن فترة تتراوح بين 100000 و400000سنة.

إن هذه التغيرات لاتؤدي إلى اختلاف كبير في حاصل الطاقة السنوية للأرض (نحو 0.1%)، لكنها مسؤولة عن تغيرات هامة (10%±)، من كمية الحرارة الساقطة على المواقع العالية من الجو خلال شهر معين. وقد ثبت اليوم أن التغيرات الموسمية لفترات التشمس، ذات السبب الفلكي حصراً، كانت السبب الرئيسي في التغيرات المناخية خلال الحقب الرباعي.

لكن المسألة التي تؤرق العلماء وتبين لنا مدى جهلنا بالمؤثرات المناخية هي كيفية حدوث التغيرات المناخية، وكيفية ظهور أو زوال عصر جليدي. إن معظم النماذج تطرح اليوم تصوراً يشير إلى حصول برد شديد وهطول ثلجي في كندا، وتؤكد ذلك المعطيات الجيولوجية. لكن ذوبان الثلج يكون شاملاً مع الأسف في هذه النماذج خلال الصيف التالي. وهكذا فإننا لانعرف كيف ظهرت أولى الجليديات والتي أدى تراكمها إلى انخفاض في مستوى سطح البحر نحو 60متراً. وإذا أخذنا معطيات أثر الدفيئة الحالية التي تقول بزيادة تقديرية لدرجة حرارة الكوكب خلال القرن القادم تتراوح بين 2 و 4درجة مئوية. فإن النتائج ستكون رهيبة قياساً إلى معطيات المناخ القديم.

بين عامي 1970 و1980 جرت دراسة دولية (CLIMAP)* للمناخ القديم هدفها إعادة تشكيل الشروط التي سادت على الأرض في ذروة العصر الجليدي الأخير. وانصب اهتمام العلماء على المحيط بخاصة. وتبين أن جبالاً من الجليد كانت تغطي كندا وشمال أوروبا بارتفاع 3 و 4كلم. وفي الشمال امتدت كتل الجليد حتى المحيط الأطلسي وإرلندا. أما المناطق الاستوائية فكانت أقل تأثراً بالبرودة. وأما مناخ القارات فلم نعرف الكثير عنه. وانخفضت درجة الحرارة على الأرض بين قارات ومحيطات بمعدل 4 إلى 5درجات تقريباً عما هي عليه اليوم. لكن المعطيات الجيولوجية تكشف كم أن هذا الرقم مضلل على المستويات المحلية. وهكذا فإن علم المناخ القديم يبين لنا أن انقلاباً حقيقياً في المناخ سيجري على الأرض مع الارتفاع المتزايد في درجة حرارتها، وإن كنا غير قادرين اليوم على التنبؤ بتفاصيله. وسيترافق هذا الانقلاب بتغير في توزع الأمطار، كما وبذوبان كتل الجليد الضخمة وانزلاقها إلى المحيطات وسيرتفع منسوب البحار والمحيطات. وتشير دراسة المناخ القديم إلى تأخر المناخ في الاستجابة لزيادة التشمس عدة قرون. كما يشير إلى أن العصر الدافئ لم يحل بشكل تدريجي منتظم. فبعد بداية العصر الدافئ بألفي سنة تقريباً، امتدت جليديات اسكندينافيا نحو عام 11000ق.م وبلغت مياه الأطلسي وانخفضت الحرارة على القارات المجاورة، هذا على الرغم من استمرار التشمس. وقد دعي هذا العصر الجليدي المصغر درايس الحديث Drays. والسبب الرئيسي الذي أدى إليه سلسلة من العلاقات المعقدة الناجمة عن المياه الباردة التي ذابت في مناطق محددة. ويكشف لنا هذا الأثر عن حساسية المناخ الناجمة عن تغيرات في الجو والمحيط والجليديات والقارات.

إن سبب العصور الجليدية الكبرى هو في النهاية تغيرات طفيفة في الحاصل الطاقي للغلاف الجوي. وكانت البداية تنطلق مع تغيرات موسمية للتشمس، ثم تتلوها ردود فعل وتفاعلات معقدة لاتزال غير معروفة بدقة مما يغير التيارات المحيطية ونظام الأمطار والنباتات على القارات والدورات البيوجيوكيميائية، وبالطبع توزع الحرارة والجليديات. وكل الدلائل تشير إلى أن المناخ كان حساساً جداً تجاه تركيز CO2 في الجو. ومثال عصر درايس المصغر هو المثال الأوضح على أهمية ردود الفعل المعقدة في وسط معقد. فتغير بسيط في النظام المائي يمكن أن يؤدي إلى الانتقال من ميل إلى عصر دافئ إلى عودة للعصر الجليدي خلال بضعة قرون فقط. ولازلنا اليوم لانفهم تماماً دورة المياه، علماً أن دورها عظيم وتنوعها كبير. والسؤال المطروح اليوم هو كيف ستتأثر هذه الدورة بتلوث الجو، إننا لانعرف، ونخاطر بأن نخوض مستقبلاً مليئاً بالمفاجآت. بل إن المغامرة اليوم أعظم من أي وقت مضى، لأننا لانعرف تماماً نسبة الكائنات الحية الفعلية التي سيقضى عليها، خاصة وأن المناخ القديم كان يعدل إلى درجة كبيرة الوسط البيئي في حين أن سرعة التغير في المناخ اليوم ستكون كارثية دون شك.

الدفيئة والمعطيات الجيولوجية

يهتم العلماء حالياً بمنهج يرتكز على العلوم الجيولوجية لاستقراء مستقبل البيئة اعتماداً على النتائج التي خلفها ارتفاع حرارة الأرض بفعل عوامل طبيعية في الماضي. وتسمح سلاسل مستمرة من الطبقات الجيولوجية المأخوذة بواسطة إسبارات جليدية في القطب الجنوبي وغرينلندة وفي رسوبيات المصطبة المحيطية أو قيعان البحيرات، وهي تغطي مراحل زمنية كبيرة، بإعطاء أمثلة دقيقة حتى أنه أمكن خلال العام الماضي نشر معطيات دقيقة حول المناخ خلال 150 ألف سنة مضت، وبخاصة خلال آخر 30000سنة. وتسمح معايرات حديثة تمت بواسطة دراسات مقارنات لطرق تأريخ مختلفة بتحديد عمر دقيق لتحولات المستوى البحري خلال فترات انحسار الجليد. وتتوافق إسبارات قارية مع المعطيات التأريخية للمناخ التي تم الحصول عليها من الرسوبيات البحرية والمحيطية. وقد وجد العلماء أنه منذ نحو 30000، وهي الفترة التي تشتمل على آخر عصرين جليدي ودافئ على الأرض، وصل الفرق في ارتفاع مستوى المياه إلى 130م خلال فترة امتدت بين أقصى حدين بارد ودافئ. وكان ذوبان الجليد مستمراً إنما غير منتظم خلالها، وتميز ارتفاع منسوب البحار بقفزات فجائية تقطعها فترات توقف أو حتى تراجع بسيط. وقد نشر مؤخراً أطلس حول التغيرات العالمية لمستوى البحار خلال الهولوسين، أي خلال آخر 10000سنة، وهو يبرز لنا المناطق الأكثر تعرضاً لخطر الانغمار، وهي الدلتا عند مصبات الأنهار والمناطق الساحلية الغائرة والسواحل الأوروبية الغربية والسواحل الشرقية لأمريكا الشمالية، وهي غالباً أماكن مأهولة.

وتبين النماذج أن درجات الحرارة ستزداد أكثر كلما ابتعدنا عن خط الاستواء. وتتوقع زيادة بين 2 و3 درجة مئوية عند خط الاستواء. وقد نشرت مؤخراً نتائج أبحاث جرت في المناطق فائقة التصحر، وهي تشكل قلب الصحراء الأفريقية الكبرى المعزولة تماماً عن الماء والبعيدة عن تأثير الإنسان. وقد حفظت هذه المناطق في طبقاتها الجيولوجية تأرجحات المناخ بأدق تفاصيلها، كما والتغيرات الكبرى في الأنماط الجوية المحلية. وارتكزت الدراسات على تحليل الرسوبيات البحيرية التي تتراوح بين 4 و 10م في مناطق تتراوح الهطولات فيها حالياً بين 5 و20ملم سنوياً. ويعكس التسلسل المناخي للطبقات بشكل مذهل المراحل المناخية المحيطية. وتبين أنه بين نحو عامي 9300 و 4500 قبل اليوم كانت تسود الصحراء الكبرى الحالية بيئة شبه مائية من بحيرات عذبة أو مستنقعات أو بوادي، وقطنتها ثدييات تعيش اليوم على بعد 600كلم إلى الجنوب. وكانت الهطولات تقدر في أفضل المواسم بـ50 ضعفاً من قيمتها الحالية. والسؤال المطروح ما سيكون تأثير مستقبل أكثر حرارة على الصحراء بخاصة، وعلى البوادي المدارية بعامة، وهي تقع خارج نطاق الأمطار الموسمية حالياً؟ تؤكد دراسة الماضي تقلص المدى الجغرافي الصحراوي مقابل امتداد للساحل باتجاه الخط المداري. وهكذا فإن الحدود الجنوبية للصحراء الحالية ستعود إلى المناخ الذي ساد منذ نحو 9000 سنة بسبب الهطولات الأكبر والأكثر انتظاماً على الرغم من تزايد البخر بسبب ارتفاع درجة الحرارة. وفي كثير من الحالات ستمتلئ الآبار الجوفية بل وقد تفيض إلى السطح. وسيساهم غياب النباتات الحالي برشح المياه كما أن غياب السكان الحضر سيحمي على الأقل ضمن المدى القريب هذه المساحات الجغرافية الجديدة من التقلص بسرعة.

نماذج المناخ

رأينا حتى الآن أن فكرة حصول ارتفاع عام في درجة حرارة الأرض بسبب الدفيئة بات أمراً شائعاً، دون أن نستطيع فهم حقيقة المسألة العلمية المطروحة بدقة فيما يخص المناخ على الأرض. ورأينا أن سبب ذلك هو ارتباط المناخ بعوامل كثيرة ومعقدة. فمن جهة يشكل النظام المناخي نظاماً ديناميكياً تتحرك فيه السوائل بالدرجة الأولى. والجو والمحيط من أهم معاملاته، لكن هناك أيضاً الجليد الساحلي وكتل الجليديات الضخمة والطبقة السطحية للقشرة الأرضية، وهي كلها تتحرك كسوائل لزجة على مدى الأزمنة الطويلة. ومن جهة أخرى، فإن هذه المجموعة تشكل نظاماً ترموديناميكياً تتم فيه انتقالات داخلية أو خارجية للطاقة. والمناخ ليس مجرد وسط للتبادلات الفيزيائية، بل والكيميائية والبيولوجية. فالحياة تلعب فيه دوراً أعظمياً طالما أن النباتات القارية تضبط بشكل كبير تبادلات الطاقة والمياه بين الأرض والجو، كما أن الكتلة الحيوية تؤثر بشدة على مستوى غاز الفحم في الجو.

وبسبب هذا التعقيد في الدورات المناخية يعمل العلماء منذ عقدين من الزمن على محاولة جمع هذه التفاعلات للنظام المناخي. وهكذا أصبح الاعتماد على النماذج الرقمية التي يشكلها الحاسوب أسلوب عمل لاغنى عنه في دراسة المناخ. وقد طُورت هذه المعادلات لتشمل عدداً متزايداً من الظاهرات مثل الانتقال الإشعاعي ودورة المياه والتبادلات التدومية مع الأرض وغيرها. وتبدى أن هذه المعادلات قادرة على تمثل صحيح وواقعي للخطوط العريضة للتيارات الجوية، كما وسمحت بالحصول على تنبؤات مقبولة جداً إلى مدى خمسة أيام بواسطة حواسيب عملاقة. غير أن قياس الأحوال الجوية لعدة أيام لايأخذ بعين الاعتبار المعاملات الأساسية مثل الجو والمحيط. ولقياس تنبؤات على مدى شهور أو سنين لابد من إدخال هذه المعاملات في الحسابات.

ويضع العلماء فرضيات قريبة جداً من الواقع لدراسة مستقبل المناخ. فهم يفرضون مثلاً تضاعف CO2 في الجو ويحاولون وضع نموذج رقمي لتأثير هذه المضاعفة على المناخ. وقد أمكن حالياً وضع نماذج تأخذ بعين الاعتبار معاملي المحيط والجو، كما وكميات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي. وهناك اليوم أربعة سيناريوهات محتملة لضبط تزايد هذه الغازات في الجو على مدى العقود القادمة. ويفترض السيناريو الأول ضبطاً جزئياً لسوية إصدار كلور فلور الكربون، في حين تهتم السيناريوهات الأخرى الثلاثة بوضع سياسات مخفضة فعلياً للصدورات الغازية الأخرى.

لعل أهم الإشكالات في هذه التمثيلات والنماذج المناخية إهمالها للنقل الأفقي للحرارة. وقد وضع في عام 1987 نموذج مناخي يجعل من النموذج الجوي أساس النقل الطاقي الذي تقوم به التيارات المحيطية. وأظهر هذا النموذج في كافة القياسات التي أجريت ارتفاعاً في درجة حرارة الأرض يتراوح بين 1.9ْ و5.3ْ. ونلاحظ أن الاختلاف الوحيد بين نسختي البرنامج اللتين تم الحصول بهما على هذين الحدين هو كيفية تمثيل الغيوم في كل منهما. ويعطينا نموذج القياس نفسه قياسات لتزايد عام للهطولات وللبخر تتراوح بين 3% و 15% لكن هذه النماذج تختلف كثيراً فيما بينها. ومع ذلك يمكن استخلاص نتائج هامة من بعض النماذج. فقد أجريت عام 1989 مماثلات لنماذج الغيوم وأثرها في الدفيئة برهنت المسألة التالية: عند حصول ارتفاع في الحرارة تتحول بعض الغيوم المكونة من الجليد إلى غيوم مائية سائلة. وعندها تتغير خصائصها الفيزيائية المجهرية التي تحكم محتواها المائي وخصائصها الضوئية، الأمر الذي قد يقود إلى تضخم الغيمة وإلى ردود فعل عكسية من خلال ازدياد إمكانية عكس الإشعاع.

تكشف لنا هذه القياسات الرقمية في النهاية صعوبة فهم كوكبنا من منظور تجزيئي، وعدم قدرتنا الحالية من جهة ثانية على فهم ومعالجة كافة معاملاته الحيوية في إطار كلي. الأمر الذي يقودنا إلى تساؤل خطير يتعلق بمدى قدراتنا الحقيقية على تلافي كارثة بيئية محتملة.

الدفيئة وأثرها على العالم النباتي

لاشك أن مناخاً أعظم حرارة سيؤدي إلى تأثيرات واضحة على توزع النباتات والزراعات على الأرض. فالحرارة تؤثر مباشرة على الأيض عند النباتات، أي على التحول الغذائي عندها. كذلك يمكن لتغير مناخي محتمل أن يغير كمية المياه التي تبخرها الأرض والنباتات وبالتالي كمية المياه المتوفرة. وترجع أقدم المخططات العامة لدراسة علاقة المناخ بالنبات إلى هولدريدج Holdraidge في عام 1967. ويمثل هذا المخطط العلاقات القائمة بين أنواع النباتات (كالتوندرا والغابات الاستوائية..) وحرارة الوسط وكمية الماء المتوفرة، أي العلاقة بين عمليات الهطل والبخر في حالته الكمونية. ويسمح هذا المخطط برسم خارطة عالمية لأنماط النبات بحسب المناخ. وقد أمكن مؤخراً تقدير تأثير تغير المناخ بشكل واضح. ويعتمد هذا التقدير كمقياس نمو النباتات. فبما أن درجة حرارة الوسط تؤثر على أيض النبات، فإن الزراعات تحتاج لكمية معينة من الحرارة تختلف بحسب الأنواع، وذلك لتصل إلى درجة النمو الكاملة، أي الإزهار ونضج الثمار. وتتوافق كمية الحرارة هذه مع درجة حرارة أكبر من عتبة دنيا معينة يكون نمو النبات بعدها متناسباً مع الحرارة. وهذا يعني أنه بالنسبة لنوع معين فإن كمية الحرارة المتراكمة التي تقدر بالدرجة المئوية في اليوم، أي مجموع درجات الحرارة اليومية التي تتجاوز هذه العتبة، تعد مقياساً جيداً لسويات النمو.

وقد جرت فعلاً دراسات واسعة لتطبيق هذا النموذج المعياري على مناطق محددة. وسبرت نماذج مختلفة للمناخ تغيرات فترة النمو بتأثير تضاعف نسبة غاز ثاني أكسيد الفحم الجوي. وأظهرت كافة هذه النماذج ازدياد هذه الفترة بالنسبة لكافة مناطق أوروبا؛ باستثناء الجنوبية منها. واهتمت أبحاث أخرى بنتائج اختلاف الأنواع النباتية. وتبين مثلاً أن الحدود الشمالية لزراعة الذرة ستنتقل شمالاً بسبب طول فترة النمو نحو 300كلم في المناطق الساحلية، وذلك بالنسبة لكل درجة مئوية إضافية، وسترتفع نحو 150كلم في المرتفعات. وستبلغ زراعة الذرة مناطق السويد واسكتلندة في حال تجاوز الارتفاع في درجات الحرارة 3ْ. أما في المناطق القارية مثل شرق أوروبا ووسط أمريكا، فإن الحدود الشمالية لن تنتقل أكثر من 150كلم لكل درجة إضافية. أما حوض البحر الأبيض المتوسط فلاتزال معاييره غير دقيقة. ومع ذلك يُقدر أن الهطولات الصيفية ستقل في المنطقة.

ومن جهة أخرى فإن الهطولات السنوية والبخر الكامن يرتبطان إيجابياً بالحرارة. فالهواء سيسخن مثل البحر وسيصبح أكثر رطوبة مما يعني أن المعايير المائية لن تتغير كثيراً. وبالنسبة للنباتات فإنها لن تتغير خلال فترة النمو. وسيكون من الخطأ بالتالي الاعتماد على فترة جفاف قصيرة في صيف عام واحد لتعميم النتائج بالنسبة لحوض المتوسط. والحق أنه لو حدث ارتفاع في درجات الحرارة فإنه سيكون بطيئاً بحيث ستتغير بشكل مواز حرارة البحر والأراضي مما لن يسمح بانقلاب كبير في الدورة الكلية للعلاقة بين الحرارة والجفاف والبرودة والرطوبة، وهي علاقة ترتبط بتوزع الأراضي الداخلية والساحلية وبرودة المحيطات وانتشارها وتدرج الانتقال الحراري بين الفصول في المناطق المحيطية والقارية. وهذا لايعني عدم إمكانية حدوث جفاف محلي. ويمكن للزراعة المحلية التقليدية في المناطق المعتدلة أن تُستبدل بزراعات المناطق الجنوبية. ويمكن الافتراض سلفاً أن الأمر ينطبق على الأمراض والأوبئة. ومن جهة ثانية لانعرف إلى أي حد سيمكن للتيارات البحرية أن تغير اتجاهها وحرارتها. ومن المؤكد أنها لو تأثرت بارتفاع الحرارة فإن أحداثاً كارثية أخطر يمكن أن تحدث لم تدخل في البرنامج الذي ذكرناه. أما بالنسبة للتربة فإن ارتفاع الحرارة سيؤدي إلى تحلل المواد العضوية فيها. ويرتبط تشكل التربة العضوية ارتباطاً وثيقاً بالمناخ، والعكس صحيح على المدى الطويل.

خاتمة

لقد حاولت خلال هذا العرض لأثر الدفيئة على كوكب الأرض، والذي استقيت معظم مواده من عدد خاص حول هذا الموضوع من مجلة البحث الفرنسية*، إبراز عدة نقاط أساسية أجملها فيما يلي: 1 – تأثير الإنسان على مناخ كوكب الأرض، 2 – وعي الإنسان حالياً لتغييره الأنظمة الطبيعية على مستوى الكوكب، 3 – كلية وتعقيد وتداخل العلامات التي تؤثر على الدورات الحيوية على كوكبنا، 4 – حساسية هذه الأنظمة الحيوية على كوكبنا حتى لمؤثرات قد تبدو بسيطة جداً، 5 – عدم قدرتنا رغم تطور معلوماتنا ونظرياتنا وأجهزتنا ومناهجنا على فهم الطبيعة بكليتها، 6 – عدم مقدرتنا بالتالي على التنبؤ بدقة نسبية عن مخاطر استمرارنا في التطور التكنولوجي اللامسؤول، 7 – عدم قدرتنا على تعديل الإصابة الخطيرة التي ألحقناها بالطبيعة، 8 – إن كافة النتائج التقديرية التي يطرحها العلماء اليوم تقع ضمن نطاق توقعات معارفنا فقط، والأرجح أن الطبيعة تخفي ردود فعل لازلنا نجهلها تجاه ما نلحقه بها من أذى، 9 – وعلى هذا فإن دور الإنسان يجب أن يتمثل خلال المرحلة المقبلة ببحث جاد وحقيقي عن كل إمكانية أو قيمة تعيد إليه توازنه الطبيعي الذي فقده منذ زمن.

ولعله يجدر بنا في النهاية طرح بعض الحلول الممكنة أو الآراء التي قد تخفف على الأقل من التخلخل البيئي ومن أثر الدفيئة.. لكننا في الحقيقة لانملك سوى القليل من الكلمات: البساطة والأصالة وروح الوحدة مع الطبيعة‍!‍

(للامانه العلمية منقول)

Qasaimeh
12-19-2007, 09:20 PM
http://www.t7leeh.com/mnwa/mnwa17.gif

بائع الورد
12-22-2007, 11:52 AM
شكرا حبيبي على المرور الكريم والرائع